ابن الأثير

149

الكامل في التاريخ

بباب القلعة أميرا لا يترك يدخلها من الأطعمة إلّا ما يكفيهم يوما بيوم ، فأعطى من بالقلعة ذلك الأمير شيئا ، فمكّنهم من إدخال الذخائر الكثيرة . فبينما هم كذلك إذ أتاهم خبر وصول نور الدين ، صاحب الموصل ، فقويت نفوسهم ، وعزموا على الامتناع ، فلمّا تقدّم عسكره إلى ذيل جبل ماردين ، قدّر اللَّه تعالى أنّ الملك الكامل بن العادل نزل بعسكر من ربض ماردين إلى لقاء نور الدين وقتاله ، ولو أقاموا بالربض لم يمكن نور الدين ولا غيره الصعود إليهم ، ولا إزالتهم ، لكن نزلوا ليقضي اللَّه أمرا كان مفعولا ، فلمّا أصحروا من الجبل اقتتلوا ، وكان من عجيب الاتّفاق أنّ قطب الدين ، صاحب سنجار ، قد واعد العسكر العادليّ أن ينهزم إذا التقوا ، ولم يعلم بذلك أحدا من العسكر ، فقدّر اللَّه تعالى أنّه لمّا نزل العسكر العادليّ واصطفّت العساكر للقتال ألجأت [ 1 ] قطب الدين الضرورة بالزحمة إلى أن وقف في سفح شعب جبل ماردين ليس إليه طريق للعسكر العادليّ ، ولا يرى الحرب الواقعة بينهم وبين نور الدين ، ففاته ما أراده من الانهزام ، فلمّا التقى العسكران واقتتلوا ، حمل ذلك اليوم نور الدين بنفسه ، واصطلى الحرب ، [ فألقى ] الناس أنفسهم بين يديه ، فانهزم العسكر العادليّ ، وصعدوا في الجبل إلى الربض ، وأسر منهم كثير ، فحملوا إلى بين يدي نور الدين ، فأحسن إليهم ، ووعدهم الإطلاق إذا انفصلوا ، ولم يظنّ أنّ الملك الكامل ومن معه يرحلون عن ماردين سريعا ، فجاءهم أمر لم يكن في الحساب ، فإنّ الملك الكامل لمّا صعد إلى الربض رأى أهل القلعة قد نزلوا إلى الذين جعلهم بالربض من العسكر ، فقاتلوهم ونالوا منهم ونهبوا ، فألقى اللَّه الرعب في قلوب الجميع ، فأعملوا رأيهم على مفارقة الربض ليلا ، فرحلوا ليلة الاثنين سابع شوّال ، وتركوا كثيرا من أثقالهم ورحالهم وما أعدّوه ، فأخذه أهل القلعة ، ولو ثبت العسكر العادلي

--> [ 1 ] ألجت .